القاضي عبد الجبار الهمذاني

321

المغني في أبواب التوحيد والعدل

بالتحدى في الكلام ؛ لأنّ ذلك كان معروفا فيما بينهم مشهورا ؛ وقد علمنا : أنه لا وجه يصح في ذلك إلا ما ذكرناه ، من قدر رتبته في الفصاحة ؛ فيجب أن يكون هو الوجه ، الّذي عليه صار معجزا ، وقد تقصينا القول في ذلك فإن قال : أليس المتعالم من حالهم : أنهم كانوا يتحدّون بالشعر ، ولم يكن مرادهم بذلك ، أن يأتي المتحدّى بمثله ، في قدر الفصاحة ، ولا يكون شعرا منظوما ، فهلا دل ذلك على أن التحدي وقع بما اختص به من النظام ، دون رتبة الفصاحة ، على ما ذكرتموه . قيل له : قد بينا أن التحدي في الشعر ، إنما يقع بأن يعتبر التساوي في قدر الفصاحة ، لكنهم إنما تحدّوا بطريقة مخصوصة ؛ وربما تحدوا به على طريق الجملة ؛ ولا بدّ من أن يبين ذلك بالمقاصد ، وأيهما كان فلا بد من أن يتضمن التحدي قدر الفصاحة ، على الوجه الّذي ذكرناه ؛ وقد بينا من قبل : أن المعتبر بطريقة من النظم ، بعيد ؛ لأنه كان يجب لو أتى بعضهم بطريقة من النظم ركيكة ، لم يسبق إليها ، أن يكون معجزا ؛ وقد علمنا فساد ذلك ؛ فلا بد من أن يعتبر مع الطريقة الرتبة في الفصاحة . فإن أراد من قال : إن وجه إعجاز القرآن النظم المخصوص ، هذا المعنى ، وهو : أنه تعالى خصه بالقرآن ، على نظام لم تجر العادة بمثله ، مع اختصاصه برتبة في الفصاحة ، فهو الّذي بيناه ؛ لأن خروجه عن العادة ، في قدر الفصاحة يوجب كونه معجزا بانفراده ؛ واختصاصه بنظم من دون هذا الوجه لا يوجب كونه معجزا ؛ وإنما يقوّى ويؤكد كونه معجزا ؛ فإن سلم هذا المخالف ما ذكرناه فهو الّذي نصرناه ؛ .